مركز الثقافة والمعارف القرآنية
376
علوم القرآن عند المفسرين
وكذلك قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها « 1 » فإنّ كلمة بَناها هي منتهى الآية والوقف عند أَمِ السَّماءُ ولكن لو وصل القارئ لم يخطر ببال السامع أن يكون بَناها من جملة أَمِ السَّماءُ لأنّ معادل همزة الاستفهام لا يكون إلّا مفردا . على أنّ التعدد في الوقف قد يحصل به ما يحصل بتعدد وجوه القراءات من تعدّد المعنى مع اتحاد الكلمات . فقوله تعالى : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً « 2 » فإذا وقف على ( قواريرا ) الأول كان ( قواريرا ) الثاني تأكيدا لرفع احتمال المجاز في لفظ ( قواريرا ) ، وإذا وقف على ( قواريرا ) الثاني كان المعنى الترتيب والتصنيف ، كما يقال : قرأ الكتاب بابا بابا ، وحضروا صفّا صفّا . وكان قوله : مِنْ فِضَّةٍ عائدا إلى قوله : بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ . ولما كان القرآن مرادا منه فهم معانيه وإعجاز الجاحدين به وكان قد نزل بين أهل اللسان ، كان فهم معانيه مفروغا من حصوله عند جميعهم . فأما التحدي بعجز بلغائهم عن معارضته فأمر يرتبط بما فيه من الخصوصيات البلاغية التي لا يستوي في القدرة عليها جميعهم ، بل خاصّة بلغائهم من خطباء وشعراء ، وكان من جملة طرق الإعجاز ما يرجع إلى محسّنات الكلام من فنّ البديع ، ومن ذلك فواصل الآيات التي هي شبه قوافي الشعر وأسجاع النثر ، وهي مرادة في نظم القرآن لا محالة ، كما قدّمناه عند الكلام على آيات القرآن فكان عدم الوقف عليها تفريطا في الغرض المقصود منها . لم يشتدّ اعتناء السلف بتحديد أوقافه لظهور أمرها ، وما ذكر عن ابن النحاس من الاحتجاج لوجوب ضبط أوقاف القرآن - بكلام لعبد اللّه بن عمر - ليس واضحا في الغرض المحتج به فانظره في الإتقان للسيوطي . فكان الاعتبار بفواصله التي هي مقاطع آياته عندهم أهمّ ، لأنّ عجز قادتهم وأولي البلاغة والرأي منهم تقوم به الحجة عليهم وعلى دهمائهم ، فلما كثر الداخلون في الإسلام من دهماء العرب ومن عموم بقية الأمم ، توجه اعتناء أهل القرآن إلى ضبط وقوفه تيسيرا لفهمه على قارئيه ، فظهر الاعتناء بالوقوف وروعي فيها ما يراعى في تفسير الآيات ، فكان
--> ( 1 ) سورة النّازعات : الآية 27 . ( 2 ) سورة الإنسان : الآية 15 - 16 .